محمد متولي الشعراوي

6449

تفسير الشعراوى

وهم قد قالوا لنوح عليه السّلام : قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا . . ( 32 ) [ هود ] ونحن نعلم أنّ نوحا عليه السّلام عاش ألف عام إلا خمسين عاما ، ومعنى ذلك أن جداله معهم أخذ وقتا طويلا . والجدال يختلف عن المراء « 1 » ، لأن الجدال إنما يكون لحقّ ، والمراء يكون بعد ظهور الحق . الجدال - إذن - مطلوب ، والحق سبحانه هو القائل : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . ( 125 ) [ النحل ] وكذلك يقول سبحانه وتعالى : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي « 2 » تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ . . ( 1 ) [ المجادلة ] إذن : فالجدال مطلوب لنصل إلى الحق ، شرط أن يكون جدلا حسنا ، لا احتكاك فيه ولا إيذاء « 3 » .

--> ( 1 ) المراء : المماراة والجدال . وأصل المراء في اللغة أن يستخرج الرجل من مناظره كلاما ومعاني الخصومة وغيرها من : مريت الشاة إذا حلبتها واستخرجت لبنها . [ انظر اللسان ] والمراء والمماراة يحمل معاني الشك والريبة في الأمر مما يستدعى جدالا أكثر وأعمق وأطول ، وهذا منهى عنه . ( 2 ) هي امرأة يقال لها خولة بنت ثعلبة ، اشتكت زوجها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائلة : يا رسول اللّه ، أكل مالي ، وأفنى شبابي ونشرت له بطني ، حتى إذا كبرت سنى وانقطع ولدى ظاهر منى ، اللهم إني أشكو إليك . قالت عائشة رضى اللّه عنها : فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ . . ( 1 ) [ المجادلة ] وزوجها هو : أوس بن الصامت . انظر تفسير ابن كثير ( 4 / 318 ) وأسباب النزول للواحدي ( ص 231 ) . ( 3 ) يقول تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . ( 125 ) [ النحل ] أي : من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال ، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب ، كقوله تعالى : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ . . ( 46 ) [ العنكبوت ] انظر : ابن كثير ( 2 / 591 ) .